انتقل إلى المحتوى الرئيسي
برقيات
مرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العربمرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العرب
التلغراف — مجلة أدبية وثقافية

خيانة

اياد خضير
اياد خضير
·5 دقائق للقراءة
خيانة
مشاركة:

لم يتوقف سقوط المطر منذ البارحة وحتى الصباح، كانت زخاته قوية وصوت الرعد، كأصوات الانفجارات التي هزت المدينة، جلس ( هاشم ) على كرسي في الطارمة المطلة على باحة البيت الداخلية، ينظر إلى تساقط الأمطار كان صوت الرعد يربكه، يفز أثر كل صعقة، يمعن النظر في السيول الهاربة الى البالوعات، فجأة سمع وقع أقدام ( مديحة ) متجه نحوه، وهي ممسكة بيدها كوب شاي..

ــــ صباح الخير

ــــ تنحنح ( هاشم ) وقال مبتسماً صباح الورد.. تعالي أنظري الى الأمطار الكثيفة، الرذاذ يلفح الوجوه يذكرني أيام الشباب عندما كنت أقف تحت المطر ساعات طويلة أشعر حينها بنشوة عارمة، تسري في جسدي، والرياح الباردة تبعث القشعريرة، هيا أسحبي ذلك الكرسي وأجلسي جنبي ..

ــــ تفضل كوب الشاي يقيك البرد.

ــــ أحسنت.

في الأثناء سمع صوت شجار في الغرفة المجاورة.

قالت مديحة بتألم:ــ

ــــ في الغرفتين المتجاورتين تسكن عائلة نشوان، أصيب مع والدي بشظايا قذيفة متهورة سقطت قريباً من مكان عمله حيث كان يعمل مع والدي، توفي والدي على أثرها أما أبو نشوان فهو الآن مقعد، شل نصفه، يعاني من صعوبة الحركة، زوجته كانت تعمل مربية في أحد البيوت الميسورة تركت العمل لكبر سنها، لا تقوى على مدارات الآخرين كأيام زمان ،بالإضافة الى ذلك كانت تعمل (الكبة) بأشكالها الهندسية وتسوقها الى المطاعم القريبة.. لها ولد وبنتان، جاكلين وجانيت، الأولى لها من العمر خمسة وعشرون عاماً لم تتزوج بعد، كانت تجوب الشوارع والأزقة في الصباح لتبيع بيض الدجاج المسلوق، مع الصمون الحار، وجبة الإفطار الصباحية، أما (جانيت) تقرب من العمر سبعة عشر عاما ً لها طفلة بعمر الزهور، تقوم بمدارات والديها أضافة الى ذلك أنها خياطة ماهرة تتعاون مع أختها على مصروف العائلة، هجرها زوجها، لأنها أساءت الظن به، وأخذت تعامله بجفاء، ذات يوم عندما فتشت جيوب قميصه لتغسله عثرت على رسالة، فتحتها بارتباك وقرأت فحواها كانت كلمات حب لم تألفها من قبل..

حبيبي وملاكي الطاهر

أنني أسعد مخلوقة في هذه الدنيا وأكثرهن حظاً، أحببتك بصدق وإحساس وأنت بالمقابل وهبتني العطف والحب، كنت قبل أن تخطبني، فتاة ساذجة لا أبالي لكن في داخلي حباً لا يطاق وفي قلبي أحاسيس ومشاعر تفجرت عند لقائي بك، عندما انظر أليك لا أستطيع السيطرة على مشاعري، فأنا مولعة بك لا أستغني عنك فخذ بيدي لنكون أسعد مخلوقين، سنلتقي قريباً وداعاً

حبيبتك / نسرين

الحزن تسلل الى قلبها، أغلقت الرسالة، قرأتها مرات عدة، وهي مندهشة..

قــالت في سرها:ـــ كل هذا يصدر من زوجي وأنا الواثقة منه وقائمة بواجبه على أكمل صورة، أخفت الرسالة بين طيات ملابسها في الدولاب، وهي تهذي كلا، كلا لا أدعها تحل محلي وتنام في فراشي هذا محال.. محال، غسلت وجهها ووضعت بعض المساحيق عليه، نظرت في المرأة قالت بحسرة:ــ

ــــ أنني صغيرة وحلوة لماذا يختار أخرى؟ لا.. لا أصدق ربما تكون الرسالة قديمة او لا تعود أليه.. هل أصارحه؟ أفتح معه موضوع الرسالة؟ لا لن أصارحه ربما يعدل عن الموضوع ويتركها بدون مشاكل..

قامت بتزيين غرفتها بوضع ستائر جديدة، وضعت على الطاولة شرشف فيه سفن ومحار وطيور فهو يحب هذه المناظر وتزينت، لبست أحسن الثياب، وضعت العطر الذي يرغبه وجلست معه تداعبه، أثارت الدهشة والتساؤل، فهو لن يعتاد على ذلك، زاد شكها وفضولها، حينما يرن الموبايل ولم يسمع الكلام كان يغلقه بارتباك وعصبية لاعناً ضعف الشبكة، مما أثار قلقها ومخاوفها، أصبح رنين الموبايل يزعجها، كان يحس بنظراتها الثاقبة حياله..

قـــالت في سرها:ــ هذا الموبايل اللعين يريد أن يجعل ثمرة حبنا ذابلة، ميتة.. وصلت (جانيت) في تعاملها مع زوجها الى طريق مسدود، عندما يتأخر لا تسأل عنه كالسابق، وأحيانا ترهقه بالأسئلة الكثير، مما جعله يخشى العودة الى البيت خشيةً من العراك والأسئلة التي ليسَ لها مبرر، ظلت تراقبه عندما يدخل الغرفة، وهو يبحث، يفتش عن شيء فقده، تنظر أليه ولا تسأله عمن يبحث، في الأثناء رن جرس الموبايل، تكلم مع المتصل بصوت واضح قـــائلاً:ــ

ــــ الخطوط دائماً تنقطع، أغلب الأوقات الشبكة ضعيفة، أن رسالة خطيبتك كانت معي، فقدتها لا أعرف اين وضعتها، استلمتها من صديقنا (حامد) عندما جاء الى بغــــداد، عندما أعثر عليها أتصل بك..

ظل يفتش بعصبية واضحة للعيان ويتمتم:ـــ

الرسالة.. الرسالة، كانت هنا، فتح الدولاب، الجرارة، بعثر الأوراق، لا يمكن، مستحيل، كانت معي هنا، لا، هنا أذن أين وضعتها؟

يفتش في سلة المهملات، تحت المكتبة فوق الدولاب، وهي تنظر اليه، حائرة، ماذا تقول بعد أن أتضح لها بأن الرسالة لا تعود اليه..

قامت بإخراج الرسالة ووضعتها على الطاولة معتذرةً، نظر اليها باندهاش، كانت تشك بأن الرسالة عائدة له، هذه الأسباب أوصلت الحالة الزوجية الى طريق مسدود فقرر أن يهجرها ويرحل..

أما (نشوان) الابن فهو مدمن على شرب الكحول، يعمل في أحد البارات الرديئة، ذات يوم كان ثملاً جداً تحدث عن بطولاته قــــائلاً:ـــ قبل أيام مسكت قطة وذبحتها، أتذكرون الوجبة التي تناولناها أخبرتكم بأنها لحم أرنب، أبداً، ليست كذالك أنها قطة سمينة، كانت أكلة شهية أليس كذلك؟!

سمعت العائلة الكلام، ظهرت الكآبة والحزن على الوجوه، لا يعلمون مصدر اللحم الذي دخل بطونهم، صرخت (جاكلين) بوجهه صرخة قوية فتت القلوب مصحوبة بكلمات اللهجة المسيحية كانت تقول له، لماذا؟ لماذا؟ وتضرب على وجهها، بين فترة وأخرى يتذكرون الموقف ويبدأ الصراخ والعراك كما سمعته قبل قليل..

تقدم ( هاشم ) بعد ان سردت (مديحة) ما المَ بهذه العائلة من أوجاع، وتحدث معهم بصحبة ( مديحة ) مواسياً، قــائلاً:ــ أن أغلب العوائل مرت وتمر في أكثر من هذه المآسي كله مكتوب على العوائل العراقية أن تذوق الفاقة والعذاب..

وتحدثت (جانيت) عن العوز الذي تمر به العائلة وعن انقطاعهم عن زيارة الكنيسة أيام الأحد من فترة طويلة، نظراً لعدم تمكنهم بالظهور

مشاركة:
اياد خضير
اياد خضير

قاص عراقي.

آخر تحديث: ١٥ تموز ٢٠٢٦ في ١٠:٥١ م

مقالات ذات صلة

أجيال
شعر

أجيال

جيل ما قبل نضوج شهوة الحروبِ، اِلتقطوا الأيديولوجية بملاعقَ ذهبيةٍ . تمرّدوا على مزاجِ المدن السّائلة، وداعبوا الرّبيع في غيرِ أوانه، لم تشغلهم مكابداتُ (الأخضر بن يوسف )* عن سلب( ثياب الإمبراطور )** فمن أين ينفذُ الضّوءُ و ( مملكتهم سوداء )***؟ هل القصائدُ…

· 2 د
الولد الذي أضاء المدينة
سرد

الولد الذي أضاء المدينة

قصة قصيرة. صباح بحلو حضوره وفتنته الرائعة، يهبط على مدينة الينابيع في ثوبٍ من نورٍ رقيق، بهدوء رائق تغتسل الأشجار بندى الفجر، وتفتح الأزهار أعينها نحو الشمس، وتغرد العصافير فوق السطوح كأنها تعزف لحنًا لا يسمعه إلا من بقي قلبه طفلًا. المدينة جميلة…جميلة إلى…

· 4 د
على منحدر النهر: سكيتش من أجل صادق الصائغ
قراءات

على منحدر النهر: سكيتش من أجل صادق الصائغ

صورة باهتة، معلَّقة على جدار مقهى صيفيّ في شارع أبي نؤاس، أواسط سنوات العقد السابع من القرن الماضي، وحدها ما تؤرخ للحظة انفضاضٍ وشيك (هجرة، اشتباك، اعتقال، تخلّ، نشر آخر أعمال جيل العقد الستّيني، موت بطيء وانهيار آمال وتوقف زمن). حادثٌ مأساوي- كوفاة صادق…

· 6 د