الشيخوخة ليست حين يبيض الشعر، بل حين يكف الإنسان عن انتظار المفاجآت
ألبير كامو
حين استبدّت به لحظة جنون
،قرر تفريغ حياته قبل أن تفرغ منه.
لم يعد يوقظ المنبه. تاركاً الصباح يتسلل إليه كما تتسلل رائحة الرطوبة إلى بيت مهجور. ينهض متثاقلًا، ليفتح النافذة، متفقداً الشارع المكتظ بإشارات الترقب والخوف، ثم يعود إلى كرسيه الهرم، الذي حفظ انحناءة ظهره أكثر مما حفظت أمه ملامح طفولته.قال وهو يسكب القهوة:
—صباح الخير… أيها الباقي منّي.
لم يك يخاطب أحدًا. موزعاً الكلمات على الأثاث حتى لا تموت في حلقه.
ارتشف الرشفة الأولى، فصدر من الهاتف صوت لم يسمعه من قبل.
لم يك رنينًا.بدا أشبه بطرقة إصبع على زجاج نافذة في ليلة ماطرة.ظهر على الشاشة:—المجهول!
على غير عادته في مثل وقته ،أبتسم
برضا، لمتد ابتسامته لحظةً واحدة، ثم انطفأت، مثل عود ثقاب أدرك متأخرًا أنه وُلد في مهب الريح.ظل يحدق في الشاشة:— المجهول…
همس الأسم، كأنه يتذوقه لأول مرة.
تركه يرن حتى خُيّل إليه أن الصوت لم يعد صادرًا من الجهاز، بل من مكان رطب داخل صدره، ظل مغلقًا لسنوات.توقف.سكن البيت دفعةً واحدة، حتى ساعة الحائط بدت وكأنها اعتذرت عن متابعة الوقت.بعد ثوانٍ، عاد الصوت.هذه المرة ضغط زر الإجابة.لم يتكلم.فجاءه الصمت من الطرف الآخر، صمتٌ كامل، له وزن الأنفاس حين تتعب من حمل أصحابها.قال أخيرًا:— من؟
لم تأته إجابة.لكن أحدًا تنفس.أنفاسٌ بطيئة، مترددة، كأن صاحبها يتعلم الهواء بعد غرقٍ طويل.شدّ الهاتف إلى أذنه أكثر.
— إذا كنتَ تعرف إسمي… فقلْه.
طال الانتظار.ثم خرج صوتٌ خافت، مبحوح، لا يُعرف أهو لرجل أم لامرأة.
— هل بقي لك أسم؟
ارتجفت أصابعه.ليس لأن السؤال غريب، بل لأنه السؤال الوحيد الذي لم يجرؤ يومًا أن يطرحه على نفسه.ضحك ضحكة قصيرة، يابسة.
— بقي ما يكفي لتصل إليه.
رد الصوت:— بل بقي ما يكفي لتضيعه.
ساد الصمت ثانية.صمت يشبه طريقًا قديمًا؛ يعرفه الاثنان، لكن كليهما يخشى الخطو فيه أولًا.قال، محدقاً في فنجان القهوة الذي برد دون أن ينتبه:
— من أرسلك؟
أجاب الصوت دون استعجال:— أنت.
رفع رأسه دفعة واحدة:— أنا؟
— قبل سنوات… كنت تؤمن أن الإنسان إذا عجز عن إنقاذ نفسه، عليه ترك أثرًا تهتدي به.
ابتلع ريقه.دار ببصره في الغرفة، كأن أحدًا يختبئ بين الجدران.الرفوف، الستائر، المصباح، الصور المقلوبة على وجهها… كلها بدت فجأة شاهدةً في محكمة لم يعلم بموعد أنعقادها.
قال بخشونة مفتعلة:— أخطأت الرقم.
ضحك الصوت.لم تك ضحكة سخرية، إنما ضحكة من يعرف أن الحقيقة لا تحتاج إلى إثبات.
— لا أحد يخطئ الطريق إلى وجوده!.
بهدوء انقطع الاتصال.بقي الهاتف في يده، مضاءً للحظات، ثم انطفأت الشاشة. إنعكس وجهه عليها.حدق في صورته السوداء.لم يرَ وجهًا.رأى رجلاً يقف على حافة حياته، يحملها بين يديه كما يحمل آخرُ إناءً متشققًا، لا يعرف: أيسقي به عطشه الأخير، أم يلقيه قبل أن يسقط وحده.
—-حتى الهواتف أصابها الخرف.
— منذ زمن.
— لا أذكر.
— لأنك مشغولًا بالموت.
ضحك للمرة الأولى منذ أشهر.ضحكة قصيرة، حقيقية.
— يبدو أنك أخطأت الرقم.
— أنت أخطأت العمر.
ساد صمت صغير.الصمت الوحيد الذي لم يكن ثقيلًا.قال بعد أن أسند ظهره إلى الكرسي:—من تكون؟
—حين تعرف… سأختفي.
—امرأة؟
—هل يكفي الجواب؟
— يكفي ليتحسن مزاج رجل عجوز.
ضحك الصوت.ضحكة خفيفة، دافئة، كأنها مرت فوق الماء.
— لا تقل عجوزًا. توقفت عن استعمال قلبك.
أدار وجهه نحو المرآة المعلقة في آخر الغرفة.منذ سنوات لم ينظر إليها طويلًا.هذه المرة اقترب.مرر أصابعه على لحيته البيضاء.ثم قال بصوت خفيض:—ما شأنك بقلبي؟
—شأني أنه ما زال ينبض… رغم أنك تتصرف كأنه دُفن منذ زمن.
على غير دقة، شعر أن البيت لم يعد ضيقًا.فلم يشرب قهوته باردة.ظل واقفًا أمام المرآة، محدقاً في وجهه كأنه لم يره من قبل. لم يك يبحث عن التجاعيد، بل عن ذلك الرجل الذي إختفى بينها منذ أعوام.قال:—إذا كنت تعرفني … اذكر اسمي.
أجاب الصوت دون تردد:—الأسم الذي في هويتك لا يعنيني. أعرف الأسم الذي تنادي به نفسك قبل أن تهزمك الأيام.
ارتعشت يده.أعاد الهاتف إلى أذنه ببطء:—من أرسلك؟
—الوحدة.
— الوحدة لا ترسل أحدًا.
—بل ترسل أكثر الكائنات إخلاصًا.
ساد صمت قصير.لم يكن صمتاً فارغًا، بل يمتلئ بشيء يشبه الدهشة.
قال :—هل تراقبني؟
— منذ زمن.
—إذن رأيتني أنام على الكرسي.
— ورأيتك تترك المصباح مضاءً لأنك تخاف الاستيقاظ فلا تجد أحدًا.
أغلق عينيه.لم يخبر أحدًا بهذا السر.
حتى لم يعترف به.تمتم:—من أنت؟
قال الصوت:—كلما سألتني ابتعدت عن الجواب.
ثم أضاف برفق:—اخرج.
نظر الرجل إلى النافذة.
— إلى أين؟
—إلى الشارع.
—لماذا؟
—لأن الحياة لا تدخل البيوت المغلقة.
ضحك ساخرًا:— الحياة نسيت عنواني منذ سنوات.
—لكنها تنتظر لتراك تمشي إليها خطوة واحدة.
ظل دقائق طويلة ينظر إلى الباب.لم يخرج منذ ثلاثة أيام.كان يطلب حاجاته عبر الفتى الذي يعمل في البقالة القريبة، مكتفياً من العالم بما يراه من خلف الزجاج.نهض أخيرًا.أغلق الهاتف ظاناً أن المكالمة انتهت.لكن الصوت قال قبل أن ينقطع:—لا تغلقني… ضعني في جيبك.
فتح الباب.فلفحته شمس الصباح كأنها تعرفه.رفع رأسه قليلًا.في الجهة المقابلة كانت امرأة تشتري الخبز،، وعجوز يوبخ حمامة لأنها سرقت فتاتًا من يده.قال صوت الهاتف:— رأيت؟
—ماذا؟
—العالم لم يمت… كنت غائبًا عنه.
واصل السير ببطء.بعد عشرين خطوة توقف فجأة.قائلاً:—منذ متى لم أمشِ هكذا؟
أجاب الصوت:—منذ أقنعت نفسك أن العمر يُقاس بالسنوات، لا بالرغبة.
هز رأسه، ثم ضحك.ضحكة أعلى من الأولى.فالتفت بعض المارة إليه.لم يهتم.منذ سنوات، تلك أول مرة لا يهتم فيها بما يظنه الناس عنه، اكتشف أن القدمين تحفظان الطرق التي نسيتها الذاكرة. الأرصفة كما تركها قبل أعوام، لكنها بدت له أوسع، الأشجار أعلى، والوجوه أقل قسوة مما كان يظن.توقف عند بائع يرص أكوام الرمان على عربة خشبية.قال البائع مبتسمًا:—لم أرك منذ زمن، أستاذ.
أجابه وهو يقلب إحدى الثمار بين يديه:—وأنا … لم أرني منذ زمن.
نظر إليه البائع مستغربًا، ثم ضحك، واضعاً في الكيس حبتين إضافيتين.
— هدية لك… يبدو أن مزاجك اليوم أفضل.
أبتعد مبتسماً.همس صوت الهاتف:
—ارأيت؟
—ماذا ؟
— العالم لم يغلق أبوابه في وجهك… تمر بجواره دون أن تطرق.
قال مواصلاً سيره:—لا تعجبني حكمتك دوماً.
—لايعجبني استسلامك الكثير.
ضحك رافعاً رأسه إلى السماء. ثمة غيمة صغيرة تشق زرقة النهار ببطء، شعر برغبة غريبة بأتباعها، كأنها تعرف مكانًا لم تطأه قدماه.رن الهاتف.
—نعم.
— انعطف يسارًا.
—لماذا؟
—لأنك اعتدت الانعطاف يمينًا طوال حياتك.
نظر إلى الشارع الأيسر. لم يدخله من قبل. ك ضيقًا، تصطف على جانبيه بيوت قديمة، وشرفات تتدلى منها نباتات يابسة، في آخره مقهى يحمل إسمًا ، غريبا(مقهى الشياطين)
قال:—لا أعرف المكان.
—لهذا أرسلُتك إليه.
حين بلغ المقهى، رأى الطاولات شبه خالية، إلا طاولة في الزاوية، وُضع عليها فنجان قهوة يتصاعد منه البخار، وكأن صاحبه قام قبل لحظات وسيعود.تقدم ببطء.قال للنادل:
—لمن الفنجان؟
ابتسم النادل ابتسامة واثقة، كأنه ينتظره منذ الصباح.
—ظننتك لن تأتي. القهوة بدأت تبرد.
إبتسم وهو يبادل النظرات بين الفنجان والنادل، .قال بهدوء:— أظنك أخطأت.
هز النادل رأسه.
— لا أخطئ في الوجوه التي يُوصيني بها الناس.
— ومن أوصاك بي؟
—امرأة.
أرتبك قلبه قبل أن يرتبك صوته.
—امرأة؟
—نعم.
— متى جاءت؟
—تأتي كل صباح.
—كيف تبدو؟
ابتسم النادل ابتسامة صغيرة، كأنه تذكر شيئًا لا يريد أن يفقده.
— الغريب كلما حاولت تذكر ملامحها ضاعت مني. أتذكر صوتها، و عطرها، لكن وجهها… الضباب أحتفظ به .
جلس ببطء.لامساً الفنجان بأطراف أصابعه.كان دافئًا. على نحو لا يصدق.
قال الهاتف:— هي أنت؟
رد الصوت ضاحكًا:—لو قلت نعم، فلن تصدق.
—ولو قلت لا؟
—لن تصدق أيضًا.
أغمض عينيه لحظة:— بدأت أكره أجوبتك.
—لأنك اعتدت الأجوبة سهلة.
أرتشف رشفة من القهوة.توقف. النكهة…شيء قديم إستيقظ فجأة.
قال للنادل:—من صنعها؟
—هي.
—هل أخبرتك كيف أحب قهوتي؟
نظر النادل إليه باستغراب.
—قالت بالحرف الواحد: ملعقة سكر … وهيل خفيف… واتركها تغلي مرتين لأنه، لا يحبها متعبة.
ارتجفت يده.قبل خمسة وثلاثين عامًا ثمة امرأة واحدة تعرف هذه التفاصيل.امرأة رحلت دون وداع.منذ ذلك اليوم لم يعد أحد يصنع له القهوة كما يحب.تنفس بعمق.قال للصوت:
— أنت تعبث بذاكرتي.
—بل أنفض عنها الغبار.
—لماذا الآن؟
— لأنك أصبحت مستعدًا.
—مستعدًا لماذا؟
—أن تحب الحياة دون أن تطلب منها اعتذارًا.
ظل ينظر إلى الفنجان طويلًا.ثم التفت إلى الشارع.شعر لأول مرة أنه لا يحمل شيئًا.وأن الخفة ليست فراغًا…بل بداية.مع تلك اللحظة دخلت فتاة صغيرة تبيع الياسمين.وقفت أمامه، مادة إليه غصنًا أبيض.هامسة بابتسامة واسعة:—خذها… لقد دفعت السيدة ثمنها منذ الصباح.
رفع رأسه فجأة.
—أي سيدة؟
أشارت الطفلة إلى الباب.
—التي كانت تجلس على كرسيك .
استدار بسرعة.لم يكن في الخارج أحد.
غير أن الهواء حمل رائحة ياسمين خفيفة…ورائحة عطرٍ قديم،





