انتقل إلى المحتوى الرئيسي
برقيات
مرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العربمرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العرب
التلغراف — مجلة أدبية وثقافية

ترويض المكان

جاسم عاصي
جاسم عاصي
·13 دقائق للقراءة
7 مشاهدة
ترويض المكان 
مشاركة:
ترويض المكان

المكان بصفته العامّة ؛ هو الحاضنة والرحم الذي يترعرع فيه الإنسان ، ويترك أثره على حياته . وهو الصفحة النقية التي لا يمكن محوها من الذاكرة . من هذا تتولد العلاقة مع المكان من خلال علاقته بالإنسان ، وإن تغيّر فهو حامل للمبرر أولاً ، ولخاصيته المؤثرة ثانياً . لذا فثمة مكان أليف وآخر معادي . فالأليف واضح ، أما المعادي فهو ما تخلقه أحداث الحروب والأزمات الاجتماعية والاقتصادية ، التي تهيمن بثقلها على وجود الإنسان ، حيث تتحوّل الأرض التي كانت تحمل قلب الأم الرؤوم ، تغدو حاملة لبشائر الموت . من هذا المنطلق كانت أوراق الكاتب ( زهير الجزائري ) تؤسس منحاها في الكتابة . حيث اختارت صورة أخرى للمكان . فهو مكان حرب وتأزم متواصل للشخصية . أي مكان لا يحتوي صفة ونمط الاستقرار اليومي ، فهومكان وعر لم يألفه الإنسان الآتي من خارج البيئة . ثم مكان مليء بالمفاجآة ، أي بالتجدد سلباً أو إيجاباً . ومكان ( الجزائري ) فيه وسطية بين العدوانية والألفة ؛ لأنه مختار بإرادة ، خلقتها حالات القسر السياسي . لكن في المبنى الذاتي أن نموذجه من بين نماذج  أخرى ترافقه كان لهم الخيّار بين الجبل والأرض المنبسطة التي توفر الأمان في دول اللجوء السياسي . فالبعض غادر أرض اللجوء نحو وعورة الجبل ، تلبية لنداء منظومته الفكرية ، التي تُجسّدت لفعل قتالي دفاعاً عن الوطن. من هذا نجد أن أوراقه هذه ، تمتلك الإرادة الذاتية ، وتستلهم ذات الكاتب ( الصحفي والروائي )  مما انطبعت خصائصه تلك على محتوى أوراقه ، ذات الحساسية العالية ، التي تُرجمت إلى أحاسيس ومشاعر إنسانية كبيرة . كما وتميّزت برؤى سردية تنتمي حصراً إلى الرواية . ولعله سبق هذه التجربة مبكراً في كتابة رواية ( المغارة والسهل ) وهي رواية تتناول ظروف القتال على الجبهة الفلسطينية باختيار شخصي كما هو معروف في تاريخ الكاتب الذي أنتج رواية هي سيرة قلمية فنية باقتدار ، أشّر كما وأنها أشّر تميّزها النوعي آنذاك ، شهدت له آراء القرّاء والنقاد . فهي رواية مكان أولاً ، وتسجيل منطلق من مبدئية عالية للفعاليات القتالية على الجبهة الفلسطينية ، استطاعت أن تضعنا على مجرى التناقضات التي تُعاني منها القضية الفلسطينية ، جرّاء تعدد الفصائل والانتماءات الحزبية والإيديولوجية.

   العتبات والاقتباسات /

عملت مقتبسات ( الجزائري ) التي تسبق كل فصل من الأوراق ، على أن تكون ذات معنى ذاتي ، لكنه يؤشر ما هو سيتحقق في الورقة التي تليه . بمعنى نرى أنه كان ملزماً باختيارات معبّرة وهادفة .ففي فصل ( محطات الحدود ) استل من قصيدة الجواهري ما يُفيد في تشخيص للتجربة التي يخوضها المقاتل ، وكأنها حكمة الأولين للآتين من بعدهم .

ــ في فصل (العبور ) ذكر :

{ وأمست    تُخيّرنا  بالنقاب      وادي المياه ووادي القُرى

  وقلنا لها أين أرض العراق ؟     فقالت ونحن بتربان:ها!

 وهبت يحسمي هبوب الدبور        مستقبلات مهب الصبا

وهي أبيات للمتنبي ، الذي كشف عن المكان ، الذي أدركه الفصل .

في فصل ( بشّا شان : وراء الطواحين ) ذكر قول للشاعر ( جول فاليري ) مفاده ( المكان أحالني دوماً إلى الصمت ) وهو قول شمل معظم الفصول ، ويعني من خلاله التأمل .

في فصل ( عمل يدوي ) وهو قول لـ (جبران خليل جبران في كتابه النبي ) ذكر : (كل حافز ضرير ، إلا إذا اقترن بالمعرفة . وكل معرفة هباء ، إلا إذا رافقها العمل ) وليس خافياً القصد الذي أيضاً جسّدته الفصول ، ليس بمعزل عن هذا الفصل .

في فصل ( نصيرات ) ذكر من نشيد الإنشاد ( من هذه الطالعة من البرية كأعمدة من دخان ) ويقصد حضور النصيرات المقاتلات ، اللائي تركن حياة الراحة واخترن حياة المشقة في الأرض الوعرة . وهو انبهار بالأنوثة التي اتخذت لها موقع الرجولة .

هذه العتبات للفصول ، تم اختيارها بدقة معبّرة .

الكتابة والحياة القاسية /

حين نذكر النوع الذي كُتبت من خلاله الأوراق ، وهو نمط السرد الروائي ، لأننا أخذنا بمبدأ وحدة الموضوع أساساً . وهو نمط دال على خلق عوالم واسعة عبر تناول عوالم جزئية . بمعنى هيمنت سلطة القفل والمفتاح على بنية سرد الأوراق ، فثمة علّة ومعلول في ما هو مسرود ، وهنالك سببية في تجدد الأحداث والشخصيات .وتوفر الانفتاح على الفضاء العام من خلال جزئيات المكان . أما ما نراه منتمياً إلى ثقافة المكان ، فهو متأتي من نمطه الروائي ، كوّنه حقق نصاً روائياً مكانياً أولاً ، ثم كوّنه يتعلق مباشرة بالمكان الوعر ( الجبل ) وكشف التجربة مع البيئة القاسية ، سواء على الناشئ في البيئة ، أو الوافد إليها مقاتلاً . فـ ( الجزائري) حقق نوع من ترويض الذات على المكان ، هذا الترويض لا يشمل الذات الإنسانية المتكيّفة مع المكان ، بقد ما شمل تكيّف المكان للإنسان الداخل إليه قسراً عبر العلاقات الاجتماعية مع المقاتلين من جهة ، ومع أبناء المنطقة . لذا كان الترويض متوازناً ، مما أدى إلى الألفة التي هي من أصعب الأفعال المتحققة في بيئة وعرة . لكن الإرادة ، بما يوازي فعل التشديد بسبب القسر على التكيّف مع المكان الذي بذله المقاتل القابل بالأمر الواقع ، واستعداده على الكشف عما يوفـّر الاستدامة والألفة والبقاء مع المكان . وذلك تم من خلال معرفة المكان . وحصراً معرفته المرنة وليس المبنية على تغليب الأجزاء من الخصائص على الكبير منها . في بيئة مثل هذه ، وتجربة غير مألوفة  ، تتطلب القول الواعي بما هو ضد الإرادة الفردية ، لأن الغلبة للإرادة الجمعية . من هذا المنطلق أسس ( الجزائري ) علاقته مع المكان ، معطياً لأوراقه في أن تكون شاهد شرعي على حياته ومن معه في هذا المنفى الاختياري . ذلك مؤكد من خلال التنوّع الذي ساد صوّر ورؤى الأحداث ، التي وإن ظهرت مكتوبة برؤية ذاتية ، ولكن يغلب عليها نفس الرؤى الجمعية . فهي أوراق لا ترصد التجربة من باب ذاتية الكاتب الضيّقة ، بقدر ما تؤكد وجود الآخر كنموذج فاعل . وقد اعتمد في ذلك على تجدد الأماكن والأشخاص ، لاسيّما حضور النساء المقاتلات إلى مجموعتهم . وما استطاعت هذه التجربة من ادّخار العطاء النوعي لأحداث الأوراق . فقد رصدنا في ما كتبه ( الجزائري ) نوعاً من الموازنة في طرح أحداثه ، في محاولة منه جعلها على نمط روائي كما ذكرنا . فهو بطبيعة الحال لم يخطط لذلك ، بل أن الأحداث تسير بشكل دراماتيكي في مثل هذه المحاولات لفضّ غموض المكان . فوجود المقاتلين على قمة الجبل والوديان والسهول والأغوار ، يعني محاولة للكشف عما هو مسكوت عنه   في ذات كل نموذج ، بما فيه الكاتب . هذا المركز في التجربة ، من قاد الأوراق إلى حالة الاقتراب من النمط الروائي . صحيح أن ( الجزائري ) شاهد وعاش في الأغوار على أرض بيروت الوعرة ، فترجمها كما ذكرنا في رواية ( المغارة والسهل ) حيث اختار موضعين رئيسيين في بيئة الجبال . ومن لم يشاهد أغوار تلك الأرض ، لا يدرك قسوتها قبل غموضها ، ليتحقق له وحشيتها وصعوبة الألفة معها . وما تجربته مع أغوار كردستان إلا شيء فيه ليونة بيئية ، حاول من خلالها أن يُكيّف الجسد مع مصدات مفردات البيئة ، ليست الرافضة للوجود ، بقدر ما الممتنعة ذاتياً  على أن يتمكن أحد من ترويضها . والمقاتل فيها أستطاع أن يتكيّف قبل تكييفه لها ، معتمداً بذلك على ما هو مشترك بين طبيعته كانسان سهلي ووجود جبلي . وهذا شمل الإنسان في الجبل والحيوان أيضاً ثم تأثير الصخور الصلدة ، والأشجار العملاقة  على الحس الإنساني.

إن أنسنة الأشياء كانت من بين حسابات المقاتل ، لخلق بيئة هجينة لاحتوائه ، غير أنها بيئة مناسبة له . وتبدأ الألفة مع الأشياء منذ عتبة الإهداء الناصّة على ( إلى خضر كاكيل ، إبن الجبل ووالد المقاتلين فيه ) هذه العبارة مكتنزة بالحس الإنساني . فخضر كاكيل كردي كبير بالعمر والتجربة ، وهذا ما كشفته الأبوة التي منحها له في تبني المقاتلين كأبناء . وكل هذا يسوقنا إلى مقدار التوائم مع كل حيوات البيئة الجبلية التي أرادت الأوراق أن تعكسها .

المكان والمتعلقات /

ما نعنيه بالمتعلقات ، كل حيوات المكان الطبيعية والإنسانية . من هذا نجد الراوي لحكاية الوجود بين أحضان الجبل تتفاوت في ذاته الخاصية التي عليها العلاقة . فهي  تواكب عمق التجربة وسيرها التدريجي . في البداية كان الهم المركزي ، هو الاستقرار. لذا فالحس الذاتي العميق حد التعلق لم يتبلور بعد ، وهو يطلق عبارته( لم نستعذب الأمكنة ، ونحن نقطعها . لأن الأهم هو أن نجتازها لكي نمر ) وفي هذا صورة واضحة تُفرّق بين المكان المستدام البقاء فيه ، والآخر الذي أشار إليه ، مكان مجتاز وعابر إلى الآخر البعيد أو القريب .فالألفة هنا غير مجسّدة بشكل واضح . لكنه وهو بصدد عكس تجربته في كتابة الأوراق كان متسامحاً مع نفسه ، حيث منح رفاقه صفة المشاركة عبر المباركة في هذا المشروع . ويستغل مثل هذا الانطباع في تجربته أو تجربة غيره في كوّنها أضفت تغيّراً على حياته دون أن يدري ( التفاصيل اليومية للحياة غيّرتني دون أن أدري ) ودون أن أدري ، لا تعني فقط عفوية الفعل فحسب ، وإنما في عمقه، لأنه في الفهم الثوري له ، يعني النقاء أو كتلة الماء المقطّر عبر أجهزة دقيقة . فعبارته المعنية بالتغيير مرت بمصفاة ناعمة العيون ، رشحت رؤى مكينة في صياغة توصيف للتجربة . إن مجموع التوصيفات التي قدمها لتجربتهم في القتال ، قتال المناهض وقتال الطبيعة  ، قد وضع الصورة الأكثر قدرة على صياغة متن التجربة . كما وأنها أقرب إلى المتن الروائي ، لأنها رصدت جوّانية الإنسان ( أستعين بأوراقي ، ولم يفارقني الحلم ؛ بأنني في متاهة من ثلج يصل حد خاصرتي .............. مع الظلام بدأت أفقد الوضوح وحدود الأشياء ............. ما عاد الجسد التمسك بأية فكرة غير وجود الكابوس المبهم ........وصعد إلى الرأس بخار ثقيل جعل الأوهام أكثف من الواقع ) هذه العبارات كثفت واختصرت مجموعة مشاهد ، عكست مبلغ المعاناة التي تكبدها الإنسان وهو يخوض تجربة غامضة كهذه .

يبدو أن الذات الواعية ، تدرك طبيعة تجربتها ، لأنها قادرة على ربط الحاضر بالماضي من خلال شفرات التعبير . وهي نوع من فلتات القلم ، والتي تُشير إلى عدم الانغلاق على الزمن مهما اختلف إيقاعه . فهو يخاطب نفسه في واحدة من أزماته التي خلقت أسئلة ( أي منهم طاردنا وقتل رفاقنا وهم نيام على الثلج ؟ ثم أنحِّي الفكرة قائلاً : عمَّ تبحث ؟ فتاريخك تاريخ القتل والنسيان ) وما هنالك من أسئلة توّجبها الواقع المرّ ( كم من الوقت إذن ستحتاج المدينة لتمسح البندقية من غريزة المقاتل ؟ ) لقد كانت التجربة هذه في الجبل لإنسان مقاتل انحدر من أرض سهلية ، محفوفة هذه التجربة بالأسئلة كما ذكرنا . كما وأنها مشيّدة لقيّم أخلاقية قارّة ، ترشحها العبارات  على عفويتها مثل (من عارك الجبل وحيداً ، يعرف قيمة زمزمية ماء أو علبة كبريت أو قطعة خبز ... كل شيء مهما بدا رخيصاً ، قد تكون له قيمة الحياة نفسها إذا ضاقت ) أو رصد الزمن من خلال الإشارة ( يطارد الضوء حتى محطته الأخيرة . وساعته على الأرض ؛ هي المسافة بين عين ماء وأخرى ) و( كل شيء اكتسب فجأة شكل أسطورة وإيقاعها ، حتى خرير الماء وصرير الحشرات ) ولعل حكمة البيئة ، وعقل الإنسان الطاعن في السن ، والذي اكتسب رؤيته المرّة من حرق القرى على أهلها ، وتجربة الأنفال الفائقة القسوة ، بل كل ما مرّت به أرض كردستان كان قد أفرز حكمة فائقة البلاغة . وقد التقط ( الجزائري ) حكمة الشيخ وهو يعلق على خسارة المقاتلين أعزّ ما يملكون قائلاً ( لا تُبددوا حزنكم الجليل بالبكاء ) هذه الحكمة المكتنزة ، تعني ما تعنيه من توظيف الحزن لصالح التجربة ، واتخاذ البكاء الصامت خير السُبل التي تُحافظ على عذرية الحزن وأصالته كوجه من وجوه التعبير عن الحب .   ومن مخاض التجربة تولدت كما ذكرنا الحكمة ، سواء كانت من فم الشيخ الطاعن في السن، أو من عمق التجربة ، التي لا تمر دون خلق دروس بليغة . وحكمة ( الجزائري) تتلخص في درس الثنائية بين القلم والأدوات الأخرى ( لقد أخطأنا منذ البداية ، حين أقمنا القطيعة بين الفأس والقلم . بين العضلة والدماغ ، فرحنا نفقد الاثنين حين قررنا أن نكسب واحداً ، لكن الطيار الشاعر أكزوبري نصحنا: ( إذا كانت دروب الأفكار مطروقة ، سيبقى أمامك درب الممارسة )

ما أنتجته الممارسة /   

ونقصد بهذا ما أنتجته المعايشة مع البيئة التي أخذت بمبدأ الأخذ والعطاء ، اللذان يخلقان التوائم والانسجام مع المكان . فلكي يكون المكان حاضنة للإنسان ، على الإنسان أن يتكيّف مع محتوياته ، مهما كانت خصائصها . وقد كان ( الجزائري) أكثر قدرة على تكييف القاطن فيه ، مضاف إلى هذا الظرف الموضوعي الذي كان سبباً في وجود الإنسان فيه محارباً . ولعل المثل الذي ضربه الشيخ الذي فقد عقله جرّاء ظروف الإبادة الجماعية ، خير ما تكشفه قسوة الإنسان لأخيه الإنسان ، عبر تدمير بنية المكان بما يحتويه من حيوات وتاريخ  صفحاته في نفوس وذاكرة الكرد . وبمثل هذا كانت المرأة التي تبحث بعفوية بيئية عن زوجها ( توفيق ) الذي انقطعت أخباره ( ما من أحد تجرأ على زجر الشيخ الملحاح  . بدأوا يدفعون الحشد الذي انهدّت قواه نحو الطائرات ، ودُفعت العجوز الخائفة ......كان المغاوير يصبّون الكيروسين على البيوت في عجالة قلقة . وعندما أصبحت بيوت القرية مثل صف من القبور خط القرية لسان لاعق من نار .آنذاك شهق الكُدس المحشور في الطائرة بصوت واحد ، ومنع الجنود العجوز المجنونة من إلقاء نفسها من الطائرة إلى مهرجان النار )  هذه الصورة هي محصلة نهائية وواضحة لتعلق الإنسان بالمكان ، لاغياً وجوده  مقابل محو أثر المكان بالحرق والإبادة الجماعية . وهذا أيضاً شكّل درساً للمقاتل الذي اندمج مع المكان الذي اختاره مرغماً ، فغدت بينه وبين المكان علاقة جديدة تفوق الألفة والمعاداة . ويؤكد مثل هذه العلاقة عبر إيراد أسطورة ( شيرين وفرهاد ) الشهيرة في التاريخ الشعبي أو المحكي للكرد ، لتؤكد تناصّ حكاياتهم وسط الدمار مع الحكاية الأسطورية ( للشبان الذين قُتلوا في المعارك ضد الحكومة ، تركوا  مزيتة البندقية وزمزمية الماء وبضع رصاصات للخيار الأخير ... للشيوخ الذين ماتوا قرب محاريثهم . تركوا زوادة الطعام وكيس التبغ والعكازة . للشابات الباكرات تركت الأمهات تاج عرسهن الموعود . وتركو للأطفال الذين ولدوا أمواتاً ، مهداً خشبياً تهزه الريح بتؤدة وتصرخ فيه العاصفة التي تبذل الفصول ) هذه الشعرية في التعبير ، إنما تحاول أن تُرقى لطبيعة المأساة التي جسّدت علاقة الإنسان بأرضه ، أي مكانه عبر مجموعة من العلامات . وبمثل هذا كان قبر ( علي الساعدي ، مواليد العمارة 1978 عاش الجندي المكلف ... تذكروا علي االسا.... ! ) الذي انغرس جسّده في الأرض الوعرة وحيدا بقى بين ظلمة الجبال ووعورة المسالك .

لقد اشتغل ( الجزائري ) من خلال أوراقه على أكثر المتون البيئية إثارة ، فتوزعت في نصه التراجيديا والمأساة بتجليات هي أقرب إلى الصوفية منها إلى سرد وروي قصصي . إن الوصف كان مثار للعلاقة الروحية أمام ما كان يُشاهد بالصدفة مع ما يُثيره . ويتعامل معه بلغة شفافة لا تُثير سوى شعرية المكان الذي أنتج هذه الحيوية أو تلك . فمتابعته لمشهد الكمان وهم يهمون بتفادي تراشق الرصاص ، خير دليل على علاقة  الموسيقى بالنفس البشرية ، في كوّنها موقظة لأكثر المواقع عمقاً لدى الإنسان :

{ في آخر الركب رأينا شيئاً لم تألفه عيوننا في هذه الجبال كمان !

   ــ لمن هذا ؟

سألت الشاب المسرع إلى حيث لا يدري :

     ــ لي .

أجاب وهو يمسح التراب عن أوتاره ، ومضى دون أن يترك مجالاً لأسئلة أخرى . ولم أعرف أبداً اسم النغمة التي قطعتها القذيفة ، ولا سر الكمان أو العازف الذي لن التقيه أبداً )

فالسارد لا يترك مفصلاً من الأوراق ، إلا  ويُشبعه بما هو ذاتي ، اي وائم بين حياته وحياة الآخر ، بين تاريخه وتاريخ الآخرين . الجميع يتعرضون لمحو الوجود بفعل الحرب الأهلية . وقد أدرك عبر تذكر شريط حياته . وقد كررها مراراً . مؤكداً من خلالها على مدى التأثير لتلك التقلبات في التاريخ التي ساهمت في محق الوجود الإنساني :

{ تذكرت عمري الذي قارب الأربعين وأنأ أشد حقائبي للرحيل : كم من البيوت والمدن اختفت من حياتي ، بيت يمحو سابقه ، ومدينة تمسح مدينة . ما أن أشيّد مكتبة وطاولة ، واعلّق على الجدار صورة ، حتى أنتزع بقوة لا مرد لها )

وبمثل هذا وجد المقاتل ( الجزائري)  نفسه متوحداً مع أشيائه ، بعد أن حامت الطائرات وقصفت المواقع ( حملت على ظهري الموجع دفاتري وصوّر زوجتي وأطفالي ، أعز ما  تبقى لديّ من عالم مهدد بالانفجارات )

لقد كان كتاب ( زهير الجزائري ) جامع لآليات الكتابة ، توحدت جميعها في سرد صوّر الأمكنة التي يدخلها الإنسان لأول مرة مقاتلاً ، فيجري مزاوجة شرعية مع تلك الأمكنة ، التي تظهر أمامه خالعة صفة الألفة والعدائية ، متخذة من الترويض عنوانها على صعيدي الذات والموضوع

 ____________________________________

         أوراق جبلية / زهير الجزائري / دار ئاراس ــ أربيل 2011ط2

مشاركة:

آخر تحديث: ٢٦ تموز ٢٠٢٦ في ١٢:٥٣ ص

مقالات ذات صلة

حين كشف  مكيافيلي أن البشر لا يتغيّرون
قراءات

حين كشف  مكيافيلي أن البشر لا يتغيّرون

في فلورنسا الممزّقة بين الأسر المتنازعة والجيوش الأجنبية، وفي ظلّ انهيار الجمهورية وعودة أسرة ميديتشي، جلس نيكولو مكيافيلي، الموظّف الجمهوري المطرود والمُهمَّش سياسيًا، ليكتب نصًّا سيغدو من أكثر الكتب إثارة للجدل في تاريخ الفكر السياسي: «الأمير». رأى في تجربته الدبلوماسية أن المدن يمكن أن تسقط في…

· 10 د
عندما تكون الشخصيات الثانوية هي بنية القصة
قراءات

عندما تكون الشخصيات الثانوية هي بنية القصة

ملخص يفترض النقد السردي غالبًا أن وجود الشخصيات الثانوية يستدعي وجود شخصية رئيسة تتحدد الشخصيات الأخرى بالقياس إليها. وقد ظل هذا الافتراض حاضرًا حتى في الدراسات التي أنصفت الشخصية الهامشية؛ إذ درست مقدار المساحة التي تحصل عليها داخل عالم يملكه البطل سلفًا. يقترح هذا البحث تصورًا مختلفًا يقوم على…

· 14 د
على منحدر النهر:
قراءات

على منحدر النهر:

صورة باهتة، معلَّقة على جدار مقهى صيفيّ في شارع أبي نؤاس، أواسط سنوات العقد السابع من القرن الماضي، وحدها ما تؤرخ للحظة انفضاضٍ وشيك (هجرة، اشتباك، اعتقال، تخلّ، نشر آخر أعمال جيل العقد الستّيني، موت بطيء وانهيار آمال وتوقف زمن). حادثٌ مأساوي- كوفاة صادق الصائغ- سيرتّب موعداً تراجعياً لجلسة صيفية…

· 6 د