انتقل إلى المحتوى الرئيسي
برقيات
مرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العربمرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العرب
التلغراف — مجلة أدبية وثقافية

شيئيات الوعي والذاكرة

زيد الشهيد
زيد الشهيد
·5 دقائق للقراءة
6 مشاهدة
شيئيات الوعي والذاكرة
مشاركة:

"جماليات المكان" كتاب باشلار

منذ أنْ اطلَّعت في ثمانينيات القرن العشرين على كتابِ (جماليات المكان) للفيلسوف الفرنسي كاستون باشلار والذي ترجمه بحرفية عالية غالب هَلَسا وحتى اليوم وأنا أجعله كتابي المُفضَّل.

فعندما استقيت أهميةَ المكان في الشِّعر وضرورته في السَّرد، ومنه عرفت الشّعرية بأعلى درجات استخدامِها رهافةً وحساسيةً فهمت كنهَها وأهميةَ وجودها في الكتابة سواء كان شعراً أو سرداً، مثلما فهمتُ الجَّمال بوصفِه لافتةَ نجاحٍ وابهارٍ للنص وحاجةً يسعى المتلقّي لحصادِها من بُستان النّاص.

والجماليات التي سلَّطها باشلار على المكان فتحت أمامنا  عوالمَ دفينةً داخل النفس وأرتنا  كوناً من الصور العاجّة بالفتنةِ والسحر والمتسربلة بالشغف والحس الخرافي لكلِّ ما هو ماثل.. في المكان تتماهى الرغبة في الالتصاق، ويفوح من أجزائه شذا الحميمية، ويتعالى الحنينُ والتشبُّث بما هو طفولي وبريء.

فالبيتُ، والكونُ، والقبو، والأدراج، والصناديق، وخزائن الملابس، والأعشاش، والقواقع، والأركان، والسطوح أبجديةٌ للنزوعِ إلى اللهفةِ والتعالقِ مع الماحول.. أبجديةٌ بمثابةِ قاموس ذاكراتي كلّما احتجنا الى الألفة  هرعنا إليها نصطاد ما يُشبعنا بإكسيرها العذب... فالمكان لا يُحدَّد بأبعادَه الهندسية فقط إنَّما بسعتَه الزمنية كذلك... المكانٌ زمنٌ بوجهِه الآخر. وهو ذاكرةٌ لزمنٍ. وما ذاكرتُنا وذكرياتُنا إلا سيرةٌ ذاتيةٌ حين يتداخل  الزمن في شيئيات الذاكرة وكينونتها. من هنا أعلن باشلار " أنَّ وضع الذاكرةِ في الزمن هو فعلُ كتابِ السيرة".. وما هذا الكتاب إلا مكانٌ زمني أو زمانٌ مكاني أظهره لنا باشلار بأنقى تفسيرٍ، وأعذب صورة.

 

آه، أيّها الكتاب الورقي.. أرثي موتَك

" الكتاب هو شيءٌ مادي في عالمِ أشياءٍ مادية. إنَّه مجموعةُ رموزٍ ميتة. وعندما يأتي القارئ المناسِبُ تظهر الكلماتُ إلى الحياة"؛ هكذا أشار بورخس إلى الكتاب؛ وهكذا  هو التعريف الموضوعي له. فمحتوى الكتاب رموزٌ خطّها الانسان تعبيراً عن أفكاره في منحىً يُقصَد منه تثبيت هذه الأفكار على مستند يحفظه لئلا يُنسى. فالذي لا يُدوّن محكومٌ عليه بالنسيان. وليست الذاكرة لوحاً كتابياً يحتفظ وإلى الأبد بما يُدوَّن عليها، إنَّما هي أشبه ما تكون بالسطح الرملي. لا يثبُت عليه حفرٌ ولا يحتفظ بنقشٍ طالما أنَّ ثمّة ريح(رياح الأعوام) ستمر عاتية فــ" تخربط." ما هو محفور إنْ لم نَقل تمحوه. وفي المحوِ خسارةٌ لا تُعوَّض لمنجزٍ كانَ من الواجب أو المُفترَض تدوينه.

بَجَّلنا الكتابَ الورقي وأكبرناه، وتباهينا به. وكنّا إذا أردنا اظهار قيمتِنا الكبرى تأبَّطنا كتاباً وخلَّفنا بيوتنا ورحنا نلف الشوارع وندخل الأسواق حاصدين نظرات الاعجاب والاندهاش تبثّها  عيونُ مَن لم تتكحَّل بكحل القراءة، ومنصتينَ لنغمة التأوه تطلقها أفواه  مَن لم تتعود ترديد  كلماتٍ وجملٍ  كانت تنطلق كوراليةً جماعيةً من نوافذ صفوف  المدارس(دار؛ دور؛ داران.. قدري قاد بقرنا). كان الكتابُ صديقَنا، يُشعرنا بحميمية وجودِنا في الحياة . وكنّا نردد  إزاء كلِّ ما يُعيب  علينا  "دوَخان" الرأس في اقتناء كتاب، وفعل قراءة "خيرُ صديقٍ في الزمانِ كتابُ".. كان ذلك قبل أنْ تصلنا ثورةُ الاتصالات، ويغدو العالمُ قريةً صغيرة؛ قبل أنْ تنتقل الصحفُ من مراكزها في أوربا لنقرأها في العواصم العربية ولم يمضِ على صدورها غير ساعات لا تتعدى  أصابع اليد؛ قبل أنْ يظهر  فعلُ النت وتبرز شبكة التواصل الاجتماعي وتحمل الكتب مطبوعةً بنظامِ الـ"بي دي أَف" فتصبح بمتناول القراءة المجانية ونقلها إلى أجهزة الكومبيوتر، واللابتوب،  والآيباد فتنتفي الحاجةُ للكتاب الورقي، ويغدو هذا الكتابُ عبئاً تفضَّل زوجاتنا  التخلّص منه ومن رفوف الكتب التي تملأ الجدران،  مُقترحات الاستفادة من المكتبة كغرفة تنتصب فيها الأرائك، وتُعلق على جدارها شاشة البلازما وهي تنقل لنا كلَّ ما هو جميل، وساحر، وخرافي احتوته الأرض، وصنعه الانسان.

آه، أيها الصديقُ الورقي، لقد انتفت الحاجةُ منك وشرعتُ أُفرغ الرفوفَ لأهديكَ وأقرانَكَ إلى مَن يَستقبلُك ويقتنيك.... آه،  لقد أصبحتَ عبئاً، ورائحتُك في الغرفة المكتبة باتت لا تُطاق.. إنَّني أتخلّى عنك إلى الابد ...

على لساني جحود؛ وفي القلبِ رثاء.

 

 

(3)الشيء والأشياء

كل ما يحيطنا من أجسامٍ تتفاوتُ في أحجامِها واهميّتها، تلك التي تنتصبُ للعيانِ تُمثُّلُ شيئاً.. وكل ما يراودنا من أفكارٍ وتأتينا رؤىً وتهويماتٍ يمكن اعتبارُها من عِداد الأشياء وإنْ كانت لا محسوسة.

المحسوس واللا محسوس يتباريان أشياءً لها صفاتُها التي تتعامل معها الذات، وتتحاور معها مَجسَّات الأحاسيسِ الخمس.

إنَّنا محاطون بالهياكلِ الظاهرةِ وغيرِ الظاهرةِ باعتبارِها أشياءً لا يمكن اهمالُها أو غضُّ النظرِ عنها؛ ذلك أنَّها تدخلُ اهتماماتنا شئنا أم أبينا. فنحن لا نعيشُ في فراغٍ مطلقٍ لا حدودَ له إنَّما تكمُن حدودُ الفراغِ بما نطلقُ عليها الاشياء.. فالحدُّ شيءٌ ماثل. وجودٌ يرسمُ وجودَه ، ويُعلِن كيانَه .

إنّنا شيءٌ.. نتحرك في مجرَّة الأشياءِ المتحركة. ومن حركتنا نكتشف كينونةَ الأشياء الثابتة التي لا تنتمي لمجموعتنا المتحركة... تَحرُكُنا يخلقُ فينا مُهمَّةَ التفكير بما هو غيرُ متحرِّكٍ من الأشياء؛ فنخلَصُ إلى حقيقةِ وجودِ شيئين متناقضين وإنْ هما حملا اسمَ " الشيء".

كثيراً ما تراودني حكاية تقصُّ أنَّ حكيماً جاءه شابٌ يبحث عن أبجدية لحياة يرومها خاليةً من الجور، وينتفي فيها العسف، والناس تعيش على ايقاع تفاعل في جزيرة ترتفع عن الماء بثلاث قواعد جبروتية صلبة، هي: الحقوق، الواجبات، الحرية.

أتأمل تلك الحكاية، وأذهب بخيالي إلى تلك الجزيرة فأجدها وفق المواصفات الآنفة، وبلا  مواربة، جزيرة غنّاء:

ماؤها عَذبٌ بفعل تولّي ذوي العقول المُهتمَّة بالكيمياء مُهمّة تحويل الماء المالح والمج الذي يحيطها كونها في مد بحري تعجز الرؤية البصرية من ادراك حدوده.. ولأنَّ ماءَها عذٌب فلابد أنَّ الأرض يانعة، والأشجار باسقة تتباهى بحيويتها، والثِّمارُ تقطرُ عَسلاً صافياً ونقياً. أمّا الانسان الذي يقطنها فهو في أبهى حلّةٍ وأجمل مظهر.. إنسان ضاحكٌ، بَشِرٌ، مُعافى.. يرفع كفّه تحيةً للآخرين.. حركة أسلوبية تتولّى تعويض تحيته الكلامية. لطالما أفصحت الاشارة عن معنى تعجز عشرات الكلمات في التعبير عن غرض يُراد له الوصول الى الذات الاخرى.

هذا الانسان بقدرِ ما هو مهمومٌ بما سيتركُه للقادمين من الأجيال، وما يطلبه منهم كمحصلةٍ متوالية تؤكّد مقولة " زرعوا فأكلنا، نزرع فيأكلون" فإنّه لابد من ابداء التفاؤل وتحجيم سطوة التشاؤم لصالح الأمل الذي هو دافع كبير ومحفز فاعل للبناء. فالثوابت والمتغيرات التي سيتركها لهم تشكّلُ خارطةَ طريقٍ لِمَن سيأتي بعدهم... إنَّ الثوابتَ قد تَخضَعُ زَمناً ما لحصيلةِ المتغيرات؛ فيما المتغيراتُ نفسُها تستحيلُ معادلاتٍ سيتركها العقلُ البشري الفاعل والمتغيّر، ويجعلها محطة مرَّ بها وتركها إلى محطات كانت تنتظره، أو مَجرّة قطعها عابراً إلى مَجرّات لم تُكتَشَف من قبل. أي أنَّه تركها في مجرة الثوابت. ليس لأنَّه يُقر بنكرانها كشيء جامد انَّما لاعترافِه أنَّها لم تعُد تتوافق أو تماشي أو تجاري المتغيَّر الجديد... إنَّنا نعترفُ بالمتغيِّر الذي خلّفناه وراءنا لنواصل فعلَ تغيير مهَّدته معطياتٌ آنيةٌ وضروراتٌ وجوديةٌ لا تُقر الثابت بوصفِهِ ثابتاً مَحضاً، بل بوصفِهِ متغيِّراٌ تمخَّضَ من الحقلِ الذي صَيّره من كان قبلَنا ثابتاً، مُعتقداً أنَّ تجاوز الثابت هو ارتماء في التيه والظلام والضياع.

مشاركة:

آخر تحديث: ٢٦ تموز ٢٠٢٦ في ٠١:٠١ ص

مقالات ذات صلة

حين كشف  مكيافيلي أن البشر لا يتغيّرون
قراءات

حين كشف  مكيافيلي أن البشر لا يتغيّرون

في فلورنسا الممزّقة بين الأسر المتنازعة والجيوش الأجنبية، وفي ظلّ انهيار الجمهورية وعودة أسرة ميديتشي، جلس نيكولو مكيافيلي، الموظّف الجمهوري المطرود والمُهمَّش سياسيًا، ليكتب نصًّا سيغدو من أكثر الكتب إثارة للجدل في تاريخ الفكر السياسي: «الأمير». رأى في تجربته الدبلوماسية أن المدن يمكن أن تسقط في…

· 10 د
عندما تكون الشخصيات الثانوية هي بنية القصة
قراءات

عندما تكون الشخصيات الثانوية هي بنية القصة

ملخص يفترض النقد السردي غالبًا أن وجود الشخصيات الثانوية يستدعي وجود شخصية رئيسة تتحدد الشخصيات الأخرى بالقياس إليها. وقد ظل هذا الافتراض حاضرًا حتى في الدراسات التي أنصفت الشخصية الهامشية؛ إذ درست مقدار المساحة التي تحصل عليها داخل عالم يملكه البطل سلفًا. يقترح هذا البحث تصورًا مختلفًا يقوم على…

· 14 د
ترويض المكان 
قراءات

ترويض المكان

المكان بصفته العامّة ؛ هو الحاضنة والرحم الذي يترعرع فيه الإنسان ، ويترك أثره على حياته . وهو الصفحة النقية التي لا يمكن محوها من الذاكرة . من هذا تتولد العلاقة مع المكان من خلال علاقته بالإنسان ، وإن تغيّر فهو حامل للمبرر أولاً ، ولخاصيته المؤثرة ثانياً . لذا فثمة مكان أليف وآخر معادي . فالأليف…

· 13 د